شهدت حُقبة حُكم حزب العدالة والتنمية في العشر سنوات الأخيرة انفتاحاً اقتصادياً معتبراً على العالم الخارجي، حيث تضاعف حجم الاستثمارات التركية في الخارج بشكل ملحوظ مقارنة بما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، حيث تشير الإحصائيات إلى نمو حجم الاستثمارات التركية في الخارج من 870 مليون دولار في العام 2000 إلى 1.064 مليار في العام 2005 وصولا إلى ما يزيد عن 15 مليار دولار في العام 2015.
وتركزت استثمارات الشركات التركية في دول الاتحاد السوفيتي سابقا (روسيا، أذربيجان، كازخستان)، بالإضافة إلى هولندا وألمانيا. فعلى سبيل المثال، تضاعف حجم الاستثمارات التركية في هولندا لتصل من 377 مليون في العام 2001 الى 2.675 مليار في العام 2012. في حين بلغ حجم الاستثمارات التركية في ألمانيا في الفترة ما بين 2002 الى 2015 حولي 2 مليار دولار.
كان للتوسع الاقتصادي التركي باتجاه الدول الأوروبية دورا أساسيا في حصولها على عضوية الاتحاد الجمركي، الأمر الذي يعتبر خطوة مهمة في رحلة بحثها عن عضوية الاتحاد الأوروبي
ناهيك عما يزيد عن مائة ألف شركة تركية-ألمانية تعمل في ألمانيا تحقق إيرادات سنوية تفوق ال 50 مليار دولار وتوظف ما يزيد عن نصف مليون عامل. وفي نفس الإطار، فاق حجم الاستثمارات التركية في روسيا حاجز 6 مليار دولار، وتجاوزت القيمة الإجمالية للمشاريع الإنشائية التي تقوم بها شركات تركية في روسيا حاجز 26 مليار دولار.
وفيما يتعلق بالاستثمارات التركية في إفريقيا، فقد شهدت السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، حيث ارتفع حجم الاستثمارات التركية في أفريقيا من 374 مليون دولار في العام 2002 لتصل 6 مليار دولار في العام 2014. وبإلقاء نظرة سريعة على حجم ومركز الاستثمارات التركية في افريقيا فإننا نجد ان معظم الشركات التركية تتركز في دول القرن الإفريقي (جيبوتي، الصومال، أرتيريا، وإثيوبيا) ونيجيريا والكاميرون. إضافة الى دول شمال افريقيا التي تضاعف فيها حجم الاستثمارات التركية بصورة كبيرة خلال الخمس سنوات الأخيرة.


وفي ذات السياق تعتبر إثيوبيا واحد من أهم مراكز الاستثمارات التركية في إفريقيا حيث بلغ حجم الاستثمارات التركية فيها قرابة 3 مليارات دولار متفوقة على الصين والهند، وبلغ عدد الشركات التركية في إثيوبيا 350 شركة تستقطب ما يزيد عن 400 ألف عامل اثيوبي.
وتتركز الاستثمارات التركية في الخارج في قطاعات الطاقة، الاتصالات، البناء والتشييد، التصنيع (الأجهزة الكهربائية، الزجاج)، البنية التحتية، إضافة إلى الخدمات المصرفية. حيث تضاعف حجم استثمارات الشركات التركية في الخارج في مجال التصنيع من 59 مليون دولار في العام 2002 لتصل 440 مليون دولار في العام 2010، وبنفس النسبة تقريبا شهد قطاع الخدمات المالية للشركات التركية ارتفاعا ملحوظا حيث بلغ 494 مليون دولار في العام 2010 مقارنة بـ 45 مليون دولار في العام 2002.

الأبعاد الاقتصادية

وفق النظريات الاقتصادية تنطلق رغبة الدول في التوسع خارجياً وفق محركات أربع رئيسية وهي إما بحثاً عن الموارد الطبيعية في محاولة منها لتقليل تكاليف الإنتاج من مواد خام وأيدي عاملة واستغلال للمواقع الاستراتيجية لبعض الدول، أو بحثا عن الأسواق لتجنب القيود التجارية وتكاليف التصدير وغيرها من العوائق، ثالثاً بحثاً عن الكفاءة والتطوير، رابعاً بحثا عن شراء الأصول الاستراتيجية لتعزيز قدراتها التنافسية في السوق وتقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات أسعار الصرف أو ارتفاع تكاليف المواد الخام.
تعتبر إثيوبيا واحد من أهم مراكز الاستثمارات التركية في إفريقيا حيث بلغ حجم الاستثمارات التركية فيها قرابة 3 مليارات دولار متفوقة على الصين والهند
وفيما يتعلق بتزايد حجم الاستثمارات التركية في الخارج، تشير الدراسات أن هذا التوسع يأتي من منطلق البحث عن الأسواق في المقام الأول ثم احتياجها للموارد الطبيعية. فعلى سبيل المثال، تعتبر وفرة الموارد الطبيعية والنمو المتسارع في الأسواق الإفريقية من أهم الدوافع الاقتصادية وراء توسع الاستثمارات التركية في افريقيا. أضف إلى ذلك الدور المتنامي للقارة الأفريقية في الساحة الدولية، وتوجيهها نحو التنمية الاقتصادية من خلال وضعها للخطط الاستثمارية وتقديم التسهيلات للدول الأجنبية للاستثمار في أفريقيا خصوصا في ظل احتياجها للتدفقات النقدية في سبيل تنفيذ خططها ورؤاها التنموية. كل هذه الأسباب وغيرها دفعت تركيا للانفتاح الاقتصادي على الدول الإفريقية خصوصا في مجالات البنية التحتية ومشاريع الانماء الزراعية.

الابعاد السياسية

على الرغم من ارتفاع تكاليف الفرصة البديلة للاستثمارات التركية في الخارج، المتمثلة في زيادة العجز في ميزان المدفوعات كون تلك الاستثمارات تمثل تدفقات نقدية خارجة، كان من الممكن الاستفادة منها في تنفيذ المشاريع المحلية وخلق المزيد من فرص العمل.
تشير الإحصائيات إلى نمو حجم الاستثمارات التركية في الخارج من 870 مليون دولار في العام 2000 إلى 1.064 مليار في العام 2005
أضف إلى ذلك انتقال العديد من القوى العاملة المؤهلة للعمل في تلك المشاريع في الخارج، ولكن على المنظور الاستراتيجي وبناء على رؤية الحكومة التركية المتمثلة في تعزيز مكانة تركيا على الصعيد الإقليمي الدولي. نجد أن توسع الاستثمارات التركية في الخارج يعتبر مفتاح رئيسي في تحقيق هذه الرؤية. حسب نظرية التكامل الإقليمي أو ما يعرف بـ Neo-functionalism تستند عملية تبوء مكانة فاعلة على الصعيد الإقليمي الدولي على ثلاثة متطلبات أساسية من ضمنها ضرورة زيادة الترابط والانفتاح الاقتصادي المتمثل بحجم التبادل التجاري، والاستثمارات المباشرة بين تركيا ودول العالم الخارجي، الأمر الذي يؤسس لعلاقات دولية مبنية على مبدأ المصالح المشتركة. خصوصا في ظل تمتع تركيا بموقع جغرافي استراتيجي.
فعلي سبيل المثال، كان للتوسع الاقتصادي التركي باتجاه الدول الأوروبية دورا أساسيا في حصولها على عضوية الاتحاد الجمركي، الأمر الذي يعتبر خطوة مهمة في رحلة بحثها عن عضوية الاتحاد الأوروبي. إضافة إلى حصولها على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. علاوة على ذلك، فإن الدور الذي لعبته المصالح الاقتصادية المشتركة بين روسيا وتركيا في تقليل حدة الخلاف الناجم عن إسقاط الطائرة الروسية.
ومن كل ما سبق يتضح أن تبني الحكومة التركية لسياسات الانفتاح التجاري والاستثماري مع المحيط الإقليمي والدولي يلعب دورا بارزا في تحقيقها لأهدافها الاقتصادية على المدى القصير والمتوسط، ناهيك عن تعزيز دورها ومكانتها الإقليمية، الأمر الذي يساعدها في تحقيق رؤيتها السياسة.